العلامة المجلسي

194

بحار الأنوار

على ظاهر إبهامي الرجلين وهو غير بعيد ، عملا باطلاق الاخبار ، وذكر ابن إدريس طرفي الابهامين ، وفي المبسوط : إن وضع بعض أصابع رجليه أجزأ ، وابن زهرة : يسجد على أطراف القدمين ، وأبو الصلاح : أطراف أصابع الرجلين ، واستوجه الشهيد تعين الابهامين وهو ظاهر الأكثر ، قال : نعم لو تعذر السجود عليهما لعدمهما أو قصرهما أجزأ على بقية الأصابع وهو قوي . وقالوا : يجب الاعتماد على مواضع الأعضاء بالقاء ثقلها عليها ، فلو تحامل عنها لم يجز ، ولعل ذلك هو المتبادر من السجود على الأعضاء ، والجمع في الأنامل ( 1 ) لعله على التجوز أو أنه عليه السلام وضع الابهامين على الأرض ، ولكل منهما أنملتان فتصير أربعا ، كذا ذكره الوالد قدس سره ، والأول أظهر ، إذ في الأخير أيضا مع مخالفته للمشهور وساير الاخبار لابد من تجوز إذ إطلاق الأنملة على العقد الأسفل مجاز ، قال الفيروزآبادي : الأنملة بتثليث الميم والهمزة تسع لغات : التي فيها الظفر انتهى . " فهذه السبعة فرض " أي واجب أو ثبت وجوبها من القرآن " ووضع الانف على الأرض سنة " أي مستحب كما هو المشهور أو ثبت وجوبه من السنة ( 2 ) والظاهر

--> ( 1 ) والجمع في الأنامل لان الامام يكون خلقته على أحسن خلقة ، والخلق الحسن في أنامل الرجل هو تساوى الابهام والذي يليه ومن كان هذا خلقه ، إنما يعتمد في سجدته على أربع أنامل في كل رجل أنملتان . ( 2 ) قوله عليه السلام " فهذه السبعة فرض " معناه أن وقوعها على الأرض ثابت بظاهر القرآن الكريم - كما هو شأن سائر الفرائض - وإنما كان كذلك . فان السجدة هو الوقوع على الأرض عبادة للخالق ، ويسمى بالفارسية ( به خاك افتادن ) لقوله تعالى : " أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون " النحل : 48 ، وقوله عز وجل ، " ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال " الرعد : 15 ، وغير ذلك . لكن ظل الشجر والحجر والجبال وغير ذلك يقع على الأرض دفعة واحدة كخرور السقف والعمود وأمثال ذلك ، وأما الانسان وهو حي ذو مفاصل لا يمكنه أن يقع على الأرض سالما الاعلى الهيئة المعتادة كما قال ( ع ) " ان ابن آدم يسجد على سبعة أعظم " يعنى طبيعة السجدة بمراعاة خلقة الانسان وفطرته ، فإذا سجد الانسان بمعنى أنه وقع على الأرض يكون جبهته وكفاه وركبتاه ورؤس أصابع رجليه واقعة على الأرض . واما وقوع الذقن بدل الجبهة كما في قوله عز وجل : " ان الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا " إلى قوله عز وجل : " ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا " أسرى 107 - 109 ، فهو وصف لسجدة النصارى فإنهم لم يتنبهوا أن ابن آدم إنما يسجد على سبعة أعظم فطرة وطبعا ، بل وقعوا على الأرض منبطحين على وجوههم كما يقع العمود ولما لم يمكنهم الذكر والتوجه إلى قبلتهم بهذا الحال رفعوا رؤسهم وجعلوا أذقانهم على الأرض ، فلا تغفل . ويتفرع على ذلك : أن الأحسن والأليق بحال المتعبد الساجد أن يخر إلى الأرض باستقبال الأرض بباطن كفيه ثم ايقاع ركبتيه على الأرض من دون تمالك بحيث يسمع لوقع الأعضاء عند وقوعها على الأرض صوت ، كما يسمع عند خرور السقف والعمود والحائط ، ثم بعد تمالك البدن على أربعة أعظم بل ستة ، يضع جبهته على الأرض ويسوى رؤس أصابع رجليه سويا كما مر شرحه . ولذلك مدح الله عز وجل السجود كذلك ورغب المؤمنين إليه بقوله عز من قائل " ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا " : يوسف : 100 " إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون " السجدة : 15 ( وهي آية السجدة ) . والأحسن أن يكون ذاك الخرور بصورة الركوع كما قال عز وجل في مدح داود : " وخر راكعا وأناب " ص : 24 يعنى أنه خر إلى الأرض ساجدا بحالة الركوع لا بحالة القعود ووضع الركبتين قبل اليدين ، على ما هو دأب الأكثرين . وأما قوله عليه السلام " ووضع الانف على الأرض سنة " أي سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وآله من دون أن يكون ذلك داخلا في حقيقة السجدة ، كما قال نفسه صلى الله عليه وآله : " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم " وإنما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله لان بأنفه - روحنا وأرواح العالمين له الفداء - كان قنى ، والقنا : أن يكون في عظم الانف احديداب في وسطه ، والانف إذا كان كذلك يقع على الأرض حين السجود طبعا وقهرا ، الا أن يسجد على مرتفع كاللوح المعمول في هذا العصر ، لكنه صلى الله عليه وآله كان يسجد على الأرض والخمرة ، فيقع عرنين انفه على الأرض سنة دائمة . ولما كانت السنة هذه في فريضة يجب الاخذ بها في حال الاختيار والامكان ، بحيث لو تركه المصلى كان راغبا عن سنته ، ومن رغب عن سنته فليس منه في شئ ، وأما إذا كان في حال الاضطرار أو كان بأنفه خنسا فلا عليه .